تعد الهجرة من المواضيع التي تنسب فيها إلى الكنيسة الكاثوليكية أكثر المواقف تعارضا. ففي نظر البعض، إنها تبشر بـفتح الحدود بلا شروط، غير آبهة بالأمم والخير العام ؛ وفي نظر آخرين، تبقى غير مبالية بمصير الأجانب أو تتركهم لعبث الدول. أما العقيدة الحقيقية فلا تشبه أيا من هاتين الصورتين الكاريكاتوريتين. إنها أكثر تطلبا، لأنها ترفض التضحية بأحد القطبين من أجل الآخر : فهي تؤكد في آن واحد واجبا جسيما في الاستقبال ومشروعية تنظيم موجه نحو الخير العام.
إن جوهر هذا التعليم يكمن في تمييز بسيط. فالكنيسة لا تعترف بـ« حق مطلق » في الاستقرار حيث يشاء الإنسان، ولا بـ« سيادة مطلقة » تعفي من الاستقبال. بل إنها تنسق بين حقين وواجبين : حق الشخص في الهجرة بحثا عن حياة كريمة، وواجب الأمم الأوفر حظا في الاستقبال « بقدر المستطاع »[1]، وحق الدول في تنظيم التدفقات[2] وفق الخير العام[3]، وواجب المهاجر في احترام البلد الذي يستقبله[4]. ولا يجوز لأي من هذه الأركان أن ينسينا الأركان الأخرى.
وهذه العقيدة ليست رأيا ظرفيا ولدته الأزمات الأخيرة : بل إن جذورها ضاربة في الكتاب المقدس — حيث يأمر الله بمحبة المهاجر[5] وحيث يتماهى المسيح مع الأجنبي الذي نستقبله[6] — وقد طورها قرن من التعليم الاجتماعي، من بيوس الثاني عشر إلى فرنسيس. وهي تفترض أخيرا مبدأ أعمق، هو نفسه في قلب عقيدة المال : خيرات الأرض موجهة أولا إلى جميع البشر[7].
يعرض هذا المقال هذا التعليم من زاوية الأسئلة العملية التي يطرحها اليوم المؤمن والمواطن : هل الهجرة حق ؟ وماذا تأمر الكتب المقدسة ؟ وهل على الأمم أن تستقبل، وإلى أي حد ؟ وهل يمكن تنظيم الاستقبال دون خيانة الإنجيل ؟ وهو لا يعالج مسألة الأيديولوجيا القومية، موضوع مقال ماذا تقول الكنيسة عن النزعة القومية ؟، ولا تفصيل أجر العمال، المعالَج في ماذا تقول الكنيسة عن العمل ؟.
هل الهجرة حق بحسب الكنيسة ؟
السؤال الأول هو سؤال الحق. هل يوجد « حق في الهجرة » ؟ تجيب الكنيسة بنعم — لكنها تحدد فورا أساسه ومداه وحده. فهذا الحق ليس نزوة حرية : بل إنه نابع من كرامة الشخص ومن الغاية المشتركة لخيرات الأرض.
حق الهجرة بحثا عن حياة كريمة
هذا الحق، كان بيوس الثاني عشر يعلمه منذ زمن كحق طبيعي : ففي الدستور الرسولي Exsul familia (1952)، يذكر أنه أدان الأيديولوجيات — الشمولية، والإمبريالية، والقومية المفرطة — التي تقيد تعسفا « حق الإنسان الطبيعي في الهجرة »[8]. والبابا يوحنا الثالث والعشرون، في رسالته العامة Pacem in terris (1963)، يستعيد هذا التعليم — وهو نفسه يحيل، في الحاشية، إلى رسالة عيد الميلاد الإذاعية لبيوس الثاني عشر سنة 1952 — ويدرجه بين الحقوق الأساسية للشخص البشري :
« لكل إنسان الحق في حرية التنقل والإقامة داخل الجماعة السياسية التي هو مواطن فيها ؛ وله أيضا الحق، لأسباب وجيهة، في التوجه إلى الخارج والاستقرار هناك. » — يوحنا الثالث والعشرون، Pacem in terris، 11 أبريل 1963، § 25[9]
فالأساس ليس مطالبة، بل واقعة أنثروبولوجية : الإنسان ليس ملكا للدولة التي ولد فيها. فكرامته ودعوته تتجاوزان الحدود. فعندما تكون حياته أو أمنه أو معيشته مهددة تهديدا خطيرا حيث هو — حرب، أو اضطهاد، أو بؤس، أو كارثة — فله الحق في أن يبحث في مكان آخر عن مقومات حياة كريمة. وهذا ما تسميه الكنيسة حق الهجرة[10].
غير أن لهذا الحق مقياسا : « لأسباب وجيهة ». فهو ليس الحق غير المحدد في الاستقرار حيث يفضل الإنسان لدواعي الراحة المحضة، بل هو حق الفرار من وضع مهين. وككل حق، فإنه يستدعي واجبا مقابلا لدى من يستطيعون الاستقبال — وإلا بقي حبرا على ورق.
الأساس : الوجهة الشاملة للخيرات
لماذا يكون لإنسان ولد على جانب من الحدود سند في أن يبحث عن معيشته على الجانب الآخر ؟ لأن الأرض، بحسب الإيمان الكاثوليكي، ليست في نهاية المطاف ملكا خاصا لأحد : بل هي موهوبة من الله للبشرية جمعاء. وهذا هو مبدأ الوجهة الشاملة للخيرات، أساس العقيدة الاجتماعية كلها.
« في البدء، عهد الله بالأرض ومواردها إلى التدبير المشترك للبشرية... فخيرات الخليقة موجهة إلى الجنس البشري كله. » — التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2402[11]
هذا المبدأ لا يلغي الأمم ولا الملكية، لكنه ينسبهما : فهما ثانويان بالنسبة إلى حق كل إنسان في أن يجد ما يعيش به. فالحدود ليست مطلقا مقدسا يمكنه وحده أن يبرر ترك الأجنبي الباحث عن الضروري يموت. والمنطق نفسه يحكم العقيدة الكاثوليكية عن المال : فالمرء يمتلك امتلاكا مشروعا، لكن تحت « رهن اجتماعي » يوجه الفائض نحو ضروري الآخر. ومطبقا على الشعوب، يؤسس هذا المبدأ واجب التضامن الدولي الذي يعد استقبال المهاجرين أحد تعبيراته.
« الحق في عدم الهجرة » : البقاء في الوطن
لكانت العقيدة ناقصة لو اعترفت بحق الرحيل وحده. فمعظم المهاجرين المجبَرين لا يختارون المنفى : بل تجبرهم عليه الحرب أو الاضطهاد أو البؤس. لذلك تؤكد الكنيسة، في المقابل، الحق في عدم الهجرة — أي الحق في أن يعيش الإنسان بكرامة في بيته، دون أن يقتلَع من أرضه ولغته وعائلته.
وقد جعل البابا فرنسيس (2013-2025) من هذه النقطة مفتاح تأمله : فالمنفى ليس أولا فرصة، بل هو غالبا جرح. فالذين يهاجرون « يعيشون انفصالا عن بيئتهم الأصلية ويعرفون غالبا اقتلاعا ثقافيا ودينيا » ؛ والجماعات المغادَرة، من جهتها، تفقد « عناصرها الأكثر حيوية وروح مبادرة »، وتتمزق العائلات[12]. والنتيجة العملية حاسمة : فأول المحبة نحو الشعوب الفقيرة ليس فقط فتح الأبواب، بل جعل الهجرة غير ضرورية بمعالجة الأسباب — وهو ما يطوره الجزء الأخير من هذا المقال.
ماذا تقول الكتب المقدسة عن الأجنبي ؟
قبل أي تعليم حديث، تضرب عقيدة الاستقبال جذورها في الكتاب المقدس. فالأجنبي — gēr بالعبرية، أي المهاجر المقيم — هو موضع حماية إلهية خاصة، على قدم المساواة مع اليتيم والأرملة : وهي الصور الثلاث للضعيف الذي لا سند اجتماعي له. وفي العهد الجديد، يتماهى المسيح نفسه معه.
« فأحبوا المهاجر » : الشريعة تحمي الأجنبي
شريعة موسى لا تكتفي بالتسامح مع الأجنبي : بل تأمر بمحبته، وتعلل هذا الأمر بذكرى العبودية في مصر. فالشعب الذي كان مهاجرا عليه أن يعرف ما يعيشه المهاجر.
« هو [الرب] الذي ينصف اليتيم والأرملة، ويحب المهاجر، ويعطيه طعاما وكسوة. فأحبوا المهاجر، لأنكم كنتم مهاجرين في أرض مصر. » — سفر التثنية 10، 18-19[13]
ويذهب سفر اللاويين أبعد من ذلك : فيحظر أي استغلال للأجنبي ويطالب بمعاملته على قدم المساواة مع الإسرائيلي المولود في البلاد.
« المهاجر المقيم معكم يكون بينكم كالإسرائيلي الأصيل، وتحبه كنفسك، لأنكم أنتم أنفسكم كنتم مهاجرين في أرض مصر. » — سفر اللاويين 19، 34[14]
إن هذا المطلب لافت بالنسبة إلى العصور القديمة : فحماية الأجنبي ليست عطفا مبهما، بل هي شريعة إلهية معللة أخلاقيا — التماهي مع من تألم. وهذه العبارة « لأنكم كنتم مهاجرين في أرض مصر » تخترق الكتاب المقدس كله وتؤسس، إلى اليوم، الموقف المسيحي من المهاجر.
العائلة المقدسة، لاجئة في مصر
المسيحية لا تتأمل الهجرة من الخارج : فإلهها نفسه يختبر المنفى. فبعد ولادة يسوع بقليل، إذ أنذر في الحلم بغضب هيرودس، أخذ يوسف الطفل وأمه وهرب ليلا إلى مصر، حيث بقيت العائلة المقدسة حتى موت الطاغية[15]. وهكذا يبدأ ابن الله حياته الأرضية كلاجئ سياسي، نجا من مذبحة بالفرار إلى الخارج.
وقد غذت هذه الصفحة الإنجيلية كل الروحانية الكاثوليكية للاستقبال. وجعل منها بيوس الثاني عشر عنوان الميثاق التعليمي الكبير لرعوية المهاجرين، Exsul familia — « العائلة المنفية » : فالعائلة المقدسة الهاربة إلى مصر مقدمة فيها على أنها « المثل والقدوة والسند لجميع المهاجرين »[16]. فالمهاجر، إذن، ليس بالنسبة إلى الكنيسة مشكلة مجردة : بل يحمل ملامح المسيح الطفل الذي حماه أبواه بالمنفى.
« كنت غريبا فآويتموني »
تبلغ ذروة التعليم الكتابي في خطبة الدينونة الأخيرة الكبرى، حيث يكشف المسيح أنه يتماهى مع الأصغر — ويسمي الأجنبي صراحة بين الصور التي يختبئ فيها :
« لأني جعت فأطعمتموني ؛ وعطشت فسقيتموني ؛ وكنت غريبا فآويتموني. » — إنجيل متى 25، 35[17]
يجعل هذا النص استقبال الأجنبي معيارا للخلاص : فما نفعله — أو نرفض فعله — للمهاجر، نفعله للمسيح نفسه. فالضيافة، إذن، ليست في المسيحية فضيلة ثانوية من باب اللباقة : بل إنها تمس العلاقة بالله. وقد أكدت التقليد الآبائي ذلك : فاستقبال الأجنبي هو استقبال الرب. ومن هذه القناعة ولدت، على مر القرون، أعمال الضيافة الكنسية العظيمة — الملاجئ، والـxenodochia، والملاذات ودور اللجوء المفتوحة للمسافرين والمنفيين.
هل على الأمم واجب استقبال المهاجرين ؟
من حق الهجرة ينشأ، في المقابل، واجب الاستقبال لدى من يستطيعون. لكن هل هذا الواجب مطلق ؟ وهل يفرَض بأي ثمن ؟ تجيب الكنيسة بصيغة بالغة الدقة، تتضمن الواجب ومقياسه معا.
قلب العقيدة : التعليم المسيحي § 2241
النص المرجعي هو الفقرة 2241 من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. ويجب الاستشهاد به كاملا، لأن كثيرين يعزلون نصفه لخدمة أطروحة. فـجزؤه الأول يعلن واجب الاستقبال :
« البلدان الأوفر حظا ملزَمة باستقبال الأجنبي الباحث عن الأمن والموارد الحيوية التي لا يجدها في بلده الأصلي، بقدر المستطاع. وعلى السلطات العامة أن تسهر على احترام الحق الطبيعي الذي يضع الضيف تحت حماية من يستقبلونه. » — التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2241[18]
ثلاثة عناصر حاسمة. أولا الواجب حقيقي : فالأمم « ملزَمة » بالاستقبال — وليس ذلك خيارا إحسانيا، بل واجبا أخلاقيا. ثم إنه متناسب : « بقدر المستطاع » — فالواجب مقاس بالقدرة الحقيقية على الاستقبال، وغير محدود. وأخيرا فهو يستهدف أولا المهاجر المنكوب، « الباحث عن الأمن والموارد الحيوية » التي لا يجدها في بيته : اللاجئ، والمضطهَد، والجائع، قبل مهاجر الراحة المحضة.
الأفعال الأربعة للبابا فرنسيس (2013-2025)
لخص البابا فرنسيس (2013-2025) رعوية المهاجرين كلها في أربعة أفعال، صارت إطارا عمليا أعيد في العالم كله. وقد اقترحها منذ 21 فبراير 2017، أمام المنتدى الدولي « الهجرات والسلام »، ثم طورها في رسالته لليوم العالمي للمهاجر واللاجئ 2018[19]. وأعادتها الرسالة العامة Fratelli tutti (2020) لتلخيص الجواب المسيحي على تحدي الهجرة :
« يمكن تلخيص جهودنا تجاه المهاجرين الوافدين في أربعة أفعال : الاستقبال، والحماية، والتعزيز، والاندماج. » — البابا فرنسيس، Fratelli tutti، 3 أكتوبر 2020، § 129[20]
يحدد كل منها مرحلة عملية. فـالاستقبال هو فتح طرق دخول آمنة وقانونية، بحسب قدرة كل بلد. والحماية هي الدفاع عن حقوق الشخص وكرامته، ضد الاتجار والاستغلال والاحتقار. والتعزيز هو تيسير النمو المتكامل للمهاجر — اللغة، والتكوين، والعمل، والحياة العائلية. والاندماج هو إدخاله في الحياة المشتركة، في تبادل يأخذ فيه ويعطي. وتستبعد هذه الأفعال الأربعة اللامبالاة (التي لا تستقبل) والتراخي (الذي يستقبل دون حماية ولا اندماج) معا.
ألفا عام من التعليم
إن العقيدة عن الهجرات ليست مستجدة تقدمية : بل تمتد من العائلة المقدسة في مصر إلى الرسائل الاجتماعية الكبرى، بـاستمرارية لافتة. فالقرن العشرون، المطبوع بتنقلات سكانية ضخمة، لم يفعل سوى تنظيمها.
- 1952Exsul familia — بيوس الثاني عشر
أول دستور رسولي كبير عن رعوية المهاجرين. العائلة المقدسة المنفية في مصر مقدمة فيه كمثل لجميع المهاجرين. الميثاق المؤسس لعمل الكنيسة من أجل المهاجرين.
- 1963Pacem in terris — يوحنا الثالث والعشرون
إعلان صريح عن حق الهجرة بين الحقوق الأساسية للشخص (§ 25)، موسعا تعليم بيوس الثاني عشر إلى كل إنسان يبحث عن ظروف عيش أكمل كرامة.
- 1992التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
الفقرة § 2241 تثبت عقيدة التوازن : واجب الاستقبال « بقدر المستطاع »، وحق الدول في التنظيم وفق الخير العام، وواجبات المهاجر تجاه بلد الاستقبال.
- 2004Erga migrantes caritas Christi
تعليمات المجلس البابوي للمهاجرين : تحديث الرعوية المهجرية كلها، بالتنسيق بين حقوق المهاجرين ومسؤولية الدول في التنظيم وفق القانون.
- 2009Caritas in veritate — بندكتس السادس عشر
الفقرة § 62 تجعل من الهجرات « ظاهرة اجتماعية مميزة لعصرنا » لا يستطيع « أي بلد » مواجهتها وحده : دعوة إلى تعاون دولي قوي.
- 2020Fratelli tutti — البابا فرنسيس (2013-2025)
تعيد الأفعال الأربعة المقترحة منذ 2017 — الاستقبال، والحماية، والتعزيز، والاندماج (§ 129) — وتؤكد من جديد الحق في عدم الهجرة : أن يعيش الإنسان بكرامة في وطنه.
توضح هذه الاستمرارية نقطة كثيرا ما تساء فهمها : فلا توجد في هذا الموضوع « عقيدة يسارية » حديثة تعارض تقليدا أقدم. فواجب الاستقبال ومشروعية التنظيم معلَّمان معا، بحركة واحدة، منذ الأصل. وإن فصلهما — استقبال بلا حد، أو حدود بلا واجب — هو ما يشكل القطيعة.
هل الاستقبال بلا حد ؟ الحدود والخير العام والفطنة
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل، وهو الذي تشوَّه فيه فكرة الكنيسة أكثر ما يكون. هل يعني واجب الاستقبال فتح الحدود فتحا كاملا وغير مشروط ؟ جواب العقيدة واضح : لا. فالفقرة نفسها التي تفرض الاستقبال تعترف للدول بحق تنظيمه.
حق الدول في تنظيم تدفقات الهجرة
إن الجزء الثاني من التعليم المسيحي § 2241، الذي يغفَله الكثيرون، يعلن هذا الحق بوضوح :
« يجوز للسلطات السياسية، من أجل الخير العام الموكول إليها، أن تخضع ممارسة حق الهجرة لشروط قانونية مختلفة، ولا سيما احترام واجبات المهاجرين تجاه بلد التبني. » — التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2241[21]
تعترف الكنيسة إذن للسلطة السياسية بـاختصاص خاص لتنظيم الهجرة، باسم الخير العام الموكول إليها خدمته. ويذهب مختصر العقيدة الاجتماعية في الاتجاه نفسه : فيرى في هذا التنظيم شرطا لا غنى عنه ليحترم إدماج المهاجرين كرامتهم :
« على مؤسسات بلدان الاستقبال أن تسهر بعناية على ألا تنتشر تجربة استغلال اليد العاملة الأجنبية... فإن تنظيم تدفقات الهجرة وفق معايير الإنصاف والتوازن هو من الشروط التي لا غنى عنها ليتم الإدماج بالضمانات التي تقتضيها كرامة الشخص البشري. » — مختصر العقيدة الاجتماعية للكنيسة، § 298[22]
فالخير العام ليس ذريعة أنانية : بل يشمل القدرة الحقيقية على الاستقبال، والشغل، والسكن، والتماسك الاجتماعي، والنظام العام، وإمكانية اندماج كريم — الذي بدونه ينقلب الاستقبال على المستقبَلين أنفسهم. فالتنظيم إذن ليس خيانة للمحبة : بل هو ما يجعلها ممكنة ودائمة. فاستقبال يتجاوز كل قدرة على الاندماج ينتج البؤس والتهميش والنبذ — أي عكس الخير المقصود.
واجبات المهاجرين تجاه بلد الاستقبال
لا تفرض العقيدة واجبات على الأمم وحدها : بل تسند واجبات إلى المهاجرين أيضا. فـالجزء الثالث من § 2241 لا لبس فيه :
« المهاجر ملزَم بأن يحترم بامتنان التراث المادي والروحي لبلد استقباله، وأن يطيع قوانينه وأن يساهم في أعبائه. » — التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2241[23]
ثلاثة واجبات إذن : احترام تراث بلد الاستقبال — بما فيه الروحي والثقافي ؛ وطاعة قوانينه ؛ والمساهمة في أعبائه، أي المشاركة في الجهد المشترك بالعمل والضريبة. فالاندماج، وهو آخر الأفعال الأربعة لفرنسيس، هو هنا مسؤولية مشتركة : فالمجتمع يستقبل، لكن المهاجر يلتزم بدوره. والامتنان المتبادل — المستقبِل الذي يفتح، والمستقبَل الذي يحترم — هو شرط التعايش الناجح.
محبة مرتبة، لا تراخ ولا احتقار
يقف التعليم الكاثوليكي هكذا على مسافة متساوية من أيديولوجيتين متناظرتين. إحداهما تطلق الانفتاح وتندد بكل حدود كظلم ؛ والأخرى تطلق الانغلاق وتجعل من الأمة مطلقا لا حق للأجنبي تجاهه. وترفض الكنيسة الاثنتين. فموقفها ليس حلا وسطا رخوا، بل هو محبة مرتبة : حب حقيقي للمهاجر، تقيسه الفطنة والخير العام.
| العقيدة الكاثوليكية بين أيديولوجيتين | فتح الحدود المطلق | العقيدة الكاثوليكية عن الاستقبال | الغلق المطلق |
|---|---|---|---|
| المهاجر المنكوب | استقبال غير مشروط، بلا مقياس | استقبال واجب « بقدر المستطاع » (التعليم المسيحي § 2241) | رفض مبدئي |
| الحدود والدولة | غير مشروعين مبدئيا | مشروعان ؛ والتنظيم في خدمة الخير العام | مطلقان، بلا واجب استقبال |
| الخير العام | مهمل باسم الاستقبال | المعيار الحقيقي للقدرة على الاستقبال | يستشهد به للإقصاء |
| واجبات المهاجر | مسكوت عنها | الاحترام والطاعة والمساهمة (التعليم المسيحي § 2241) | تعد مستحيلة مسبقا |
| حكم الكنيسة | مرفوض | محمود | مرفوض |
نرى إذن : أن كاثوليكيا أمينا يمكنه تأييد تنظيم صارم للهجرة دون مناقضة إيمانه — بشرط أن يبقى هذا التنظيم في خدمة الخير العام وألا يتحول أبدا إلى احتقار للشخص، أو كراهية للأجانب، أو ترك للإنسان المنكوب. وعلى العكس، لا يمكنه، باسم السيادة، إنكار كل واجب استقبال تجاه الذين يفرون من الموت.
ما لا تقوله الكنيسة : توضيحات
لأن الموضوع ساخن سياسيا، فإن سوء فهم عنيدا يستحق أن يبدَّد مباشرة. فالعقيدة لا تقول ما يود خصومها أن تنسبه إليها، ولا ما يستخلصه منها أحيانا أنصارها المتعجلون.
هل تفرض الكنيسة فتح الحدود كاملا ؟
لا. فلا نص تعليمي يعلّم إلغاء الحدود ولا الاستقبال اللامحدود. ويعترف التعليم المسيحي صراحة للدول بحق إخضاع الهجرة لشروط قانونية باسم الخير العام[24]. والبابا فرنسيس نفسه، الذي كثيرا ما يصوَّر كاريكاتوريا كأنصار للانفتاح بلا كابح، أوضح أن واجب الاستقبال هذا يجب أن يمارَس بـالفطنة الخاصة بالحاكم، مع مراعاة قدرات الاستقبال والاندماج الحقيقية لكل بلد[25]. فواجب الاستقبال والفطنة السياسية لا يتعارضان : بل يكمل أحدهما الآخر.
هل يمكن أن يكون المرء كاثوليكيا ويريد الحد من الهجرة ؟
نعم. فإرادة تنظيم الهجرة ليست في ذاتها خطيئة ولا خيانة للإنجيل : بل هي موقف تعترف به العقيدة كمشروع، متى استهدف الخير العام واحترم كرامة الأشخاص. فالمستبعَد ليس التنظيم، بل إفراطان : من جهة اللامبالاة بمصير الإنسان الفار من الموت، ومن جهة أخرى كراهية الأجنبي، والعنصرية، واختزال المهاجر في تهديد. فبين الاستقبال الساذج والنبذ الوحشي، ترسم الكنيسة طريق المسؤولية : استقبال من نستطيع استقبالهم حقا، وإدماجهم بكرامة، والعمل لكي لا يضطر الآخرون إلى الرحيل.
معالجة الأسباب : الحق في ألا يضطر إلى الرحيل
هذه هي نقطة الوصول في العقيدة كلها. فأفضل سياسة هجرية ليست فقط التي تستقبل جيدا : بل هي التي تجعل المنفى غير ضروري. وكان بندكتس السادس عشر يذكر بأن « لا بلد يستطيع أن يظن أنه قادر على مواجهة » الهجرات وحده، وهي تقتضي « سياسة تعاون دولي قوية وبصيرة »[26]. فمكافحة الحرب والاضطهاد والبؤس والفساد في بلدان المغادرة — ليتمكن كل إنسان من العيش بكرامة في أرضه — هي أسمى أشكال المحبة نحو الشعوب. فواجب استقبال المهاجر وواجب تمكينه من البقاء لا يتعارضان : بل هما وجها محبة واحدة للإنسان، أينما ولد.
« بناء شروط ملموسة للسلام، فيما يخص المهاجرين واللاجئين، يعني الالتزام جديا بالحفاظ قبل كل شيء على الحق في عدم الهجرة، أي في العيش في السلام والكرامة في الوطن. » — يوحنا بولس الثاني، رسالة لليوم العالمي التسعين للمهاجر واللاجئ، 2004، § 3[27]
لمزيد من التعمق
- ماذا تقول الكنيسة عن النزعة القومية ؟ — التقدير العادل للوطن وتأليهه.
- ماذا تقول الكنيسة عن السياسة ؟ — الالتزام الزمني للكاثوليكي والتمييز الفطن.
- ماذا تقول الكنيسة عن العمل ؟ — الأجر العادل وكرامة العامل، بما فيه الأجنبي.
- ماذا تقول الكنيسة عن المال ؟ — الوجهة الشاملة للخيرات، الأساس المشترك للعقيدة الاجتماعية.
- ماذا تقول الكنيسة عن الحرب العادلة ؟ — الحرب، أول أسباب المنفى المجبَر.
الملاحظات والمراجع
التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2241، Mame/Plon، 1992 (النص الرسمي على vatican.va). تعلن الفقرة تباعا واجب الاستقبال على الأمم الغنية (« ملزَمة باستقبال الأجنبي بقدر المستطاع »)، وحق الدول في تنظيم الهجرة من أجل الخير العام، وواجبات المهاجر (احترام التراث، وطاعة القوانين، والمساهمة في الأعباء).
1 3 4 18 21 23 24المجلس البابوي للعدالة والسلام، مختصر العقيدة الاجتماعية للكنيسة، 2004، § 298 (النص الرسمي على vatican.va) : « فإن تنظيم تدفقات الهجرة وفق معايير الإنصاف والتوازن هو من الشروط التي لا غنى عنها ليتم الإدماج بالضمانات التي تقتضيها كرامة الشخص البشري » ؛ وتطالب الفقرة نفسها بألا تحرَم اليد العاملة الأجنبية من الحقوق المكفولة للعمال الوطنيين.
2 22سفر التثنية 10، 18-19 (الترجمة الليتورجية الرسمية، AELF) : « هو الذي ينصف اليتيم والأرملة، ويحب المهاجر، ويعطيه طعاما وكسوة. فأحبوا المهاجر، لأنكم كنتم مهاجرين في أرض مصر. »
5 13إنجيل متى 25، 35 (AELF) : خطبة الدينونة الأخيرة ؛ « كنت غريبا فآويتموني ». يتماهى المسيح مع الأجنبي المستقبَل، جاعلا من الضيافة معيارا للخلاص.
6 17التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 2402، المرجع نفسه : « في البدء، عهد الله بالأرض ومواردها إلى التدبير المشترك للبشرية... فخيرات الخليقة موجهة إلى الجنس البشري كله. » مبدأ الوجهة الشاملة للخيرات.
7 11بيوس الثاني عشر، الدستور الرسولي Exsul familia nazarethana، 1 أغسطس 1952، الباب الأول، Acta Apostolicae Sedis 44 (1952)، ص 684 (ترجمتنا : النص الرسمي لاتيني). يلخص فيه بيوس الثاني عشر تعليمه عن حق الهجرة منذ رسالته الإذاعية لعيد العنصرة في 1 يونيو 1941 (ص 682-684). النص الأصلي : « principia “totalitarismi” et “imperialismi” Status necnon immoderati “nationalismi” placita districtis verbis condemnavimus, quippe quae dum ex una parte naturale hominum ius ad emigrandum vel ad colonias constituendas ad arbitrium coerceant […] ».
8يوحنا الثالث والعشرون، الرسالة العامة Pacem in terris، 11 أبريل 1963، § 25، الترجمة الفرنسية الرسمية (النص على vatican.va). حق الهجرة مدرج بين الحقوق الأساسية للشخص ؛ والحاشية 22 من هذه الفقرة تحيل إلى بيوس الثاني عشر، رسالة عيد الميلاد 1952 (Acta Apostolicae Sedis 45، 1953، ص 33-46). النص الأصلي اللاتيني (vatican.va) : « Tum etiam homini cuilibet iure integrum esse debet in civitatis suae finibus vel tenere vel mutare locum; quin etiam, si iustae id suadeant causae, eidem liceat necesse est, alias civitates petere in iisque domicilium suum collocare. »
9المجلس البابوي لرعوية المهاجرين والمتنقلين، التعليمات Erga migrantes caritas Christi، 3 مايو 2004 (النص الرسمي على vatican.va) : تحديث رعوية الهجرات، بالتنسيق بين حق الهجرة، وواجب الاستقبال، ومسؤولية الدول في تنظيم التدفقات وفق القانون والخير العام.
10البابا فرنسيس، Fratelli tutti، § 38، المرجع نفسه : الذين يهاجرون « يعيشون انفصالا عن بيئتهم الأصلية ويعرفون غالبا اقتلاعا ثقافيا ودينيا. والانكسار يطال أيضا الجماعات المحلية، التي تفقد عناصرها الأكثر حيوية وروح مبادرة، والعائلات [...] » (يستعيد البابا هنا إرشاده Christus vivit، 2019، § 93) ؛ ومن هنا ضرورة « إعادة تأكيد الحق في عدم الهجرة، أي في أن يكون الإنسان في وضع يبقيه في أرضه » (صيغة بندكتس السادس عشر، رسالة اليوم العالمي 99 للمهاجر واللاجئ، 12 أكتوبر 2012).
12سفر اللاويين 19، 33-34 (AELF) : « متى أقام معكم مهاجر في أرضكم، فلا تستغلوه. المهاجر المقيم معكم يكون بينكم كالإسرائيلي الأصيل، وتحبه كنفسك، لأنكم أنتم أنفسكم كنتم مهاجرين في أرض مصر. »
14إنجيل متى 2، 13-15 (AELF) : الهروب إلى مصر. إذ أنذر في الحلم، أخذ يوسف الطفل وأمه، وانطلق ليلا إلى مصر هربا من هيرودس، متمما القول : « من مصر دعوت ابني. »
15بيوس الثاني عشر، الدستور الرسولي Exsul familia nazarethana، 1 أغسطس 1952، Acta Apostolicae Sedis 44 (1952)، ص 649-704 : أول ميثاق تعليمي كبير لرعوية المهاجرين. العائلة المقدسة المنفية في مصر مقدمة فيه، منذ الجملة الأولى (ص 649)، على أنها « المثل والقدوة والسند لجميع المهاجرين والحجاج » (ترجمتنا : النص الرسمي لاتيني). النص الأصلي : « typus, exemplar et praesidium exstat omnium quorumlibet temporum et locorum emigrantium, peregrinorum ac profugorum omne genus ».
16البابا فرنسيس، خطاب للمشاركين في المنتدى الدولي « الهجرات والسلام »، 21 فبراير 2017 (النص الرسمي على vatican.va) : « يمكن أن ينتظم جوابنا المشترك حول أربعة أفعال : الاستقبال، والحماية، والتعزيز، والاندماج. » ثم طورت الأفعال الأربعة في رسالة اليوم العالمي 104 للمهاجر واللاجئ (14 يناير 2018)، المؤرخة في 15 أغسطس 2017، التي تحيل إلى هذا الخطاب (النص الرسمي على vatican.va).
19البابا فرنسيس، الرسالة العامة Fratelli tutti، 3 أكتوبر 2020، § 129 (النص الرسمي على vatican.va) : « يمكن تلخيص جهودنا تجاه المهاجرين الوافدين في أربعة أفعال : الاستقبال، والحماية، والتعزيز، والاندماج. » استعادة للأفعال الأربعة التي اقترحها البابا منذ 2017 : إطار رعوي مركب لاستقبال المهاجرين.
20البابا فرنسيس، مؤتمر صحفي أثناء رحلة العودة من السويد، 1 نوفمبر 2016 (النص الرسمي على vatican.va ؛ كلام مقابلة، وليس عملا تعليميا) : « أعتقد أنه، نظريا، لا يمكن إغلاق القلب أمام لاجئ، لكن على الحكام أيضا أن يكونوا فطنين : عليهم أن يكونوا منفتحين جدا لاستقبالهم، وأن يدرسوا أيضا كيف يمكنهم توطينهم، لأنه لا يتعلق فقط باستقبال لاجئ، بل يجب أيضا إدماجه. وإذا كان بلد قادرا على إدماج، لنقل، 20 شخصا، فعليه إدماج هؤلاء العشرين. »
25بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة Caritas in veritate، 29 يونيو 2009، § 62 (النص الرسمي على vatican.va) : الهجرات « ظاهرة اجتماعية مميزة لعصرنا » لا يستطيع « أي بلد أن يظن أنه قادر على مواجهتها وحده » ؛ دعوة إلى « سياسة تعاون دولي قوية وبصيرة ».
26يوحنا بولس الثاني، رسالة اليوم العالمي التسعين للمهاجر واللاجئ (المؤرخة في 15 ديسمبر 2003، لسنة 2004)، § 3 (النص الرسمي على vatican.va) : « بناء شروط ملموسة للسلام، فيما يخص المهاجرين واللاجئين، يعني الالتزام جديا بالحفاظ قبل كل شيء على الحق في عدم الهجرة، أي في العيش في السلام والكرامة في الوطن. » وهي الصيغة التعليمية المرجعية لـ« الحق في عدم الهجرة »، التي استعادها بعده بندكتس السادس عشر (رسالة اليوم العالمي 99 للمهاجر واللاجئ، 12 أكتوبر 2012) والبابا فرنسيس (Fratelli tutti § 38) : فيقابل حق الهجرة الحق في ألا يجبَر على المنفى، بمكافحة أسبابه العميقة.
27