يدلّ «الأساسان في الحياة الروحية»، في التقليد الكاثوليكي، على قوّتَي النفس الروحيّتين اللتين بهما يتقدّم كلّ مسيحيّ نحو الله أو لا يتقدّم: الإرادة التي تحبّ وتختار، والعقل الذي يعرف. وقد جعل القديس توما الأكويني، على خطى القديس أوغسطينوس، منهما جذرَي الحياة الأخلاقية والروحية كلّها، حتى إنّ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية يعرّف الحرية الإنسانية بأنّها «القدرة، المتجذّرة في العقل والإرادة، على الفعل أو عدم الفعل»[1].
والترابط بينهما ذو منطق صارم: لا نشتهي ما نجهله، ولا ننال ما لا نريده حقًّا. فمعرفة قيمة الله توقظ الرغبة؛ وإرادة الله بفعالية تكفي للدخول في حياته. فالحياة الداخلية كلّها تُحسَم إذن في دائرية هاتين القوّتين: المعرفة تُشعل الإرادة، والإرادة تأمر العقل أن يذهب باحثًا عن مزيد من النور.
وقد عبّر التقليد الروحي عن هذا المبدأ بصيغ متعدّدة. فالقديسة تريزا الطفل يسوع تذكّر بأنّ «يسوع لا ينظر إلى عظمة الأعمال ولا حتى إلى صعوبتها بقدر ما ينظر إلى الحبّ الذي يدفعنا إلى القيام بهذه الأعمال»[2]. وتضع المؤسسات المدعوّة مؤسسات تاولر، وهي مجموعة رينانية من القرن الرابع عشر نُشرت باللاتينية منذ طبعة سوريوس (كولونيا، 1548) باسم الدومينيكاني يوحنا تاولر، لكنّ النقد لا يثبتها من تأليفه، القاعدة الذهبية: «الفضيلة وكلّ الأعمال الصالحة تتوقّف على الإرادة»[3]. ويقول يسوع لخادمة الله لويزا بيكاريتا إنّه للدخول في مشيئته الإلهية «لا طريق ولا باب ولا مفتاح» بل «يكفي أن نريد ذلك»[4].
ولنوضّح منذ البدء معنى هذه «المشيئة الإلهية»: فالعيش في المشيئة الإلهية ليس مجرّد عمل مشيئة الله، بل هو امتلاك مشيئته عينها التي تعمل فينا، وهو عطية كُشفت للويزا بيكاريتا، خادمة الله (انظر المشيئة الإلهية).
يعرض هذا المقال هذه العقيدة في أربعة أزمنة: تجذّرها الثالوثي عند أوغسطينوس وصياغتها عند توما الأكويني؛ والأولوية العملية لـالإرادة بوصفها محرّك الحياة المسيحية؛ ودور المعرفة بوصفها مصدر الرغبة؛ وترابط الأساسين في الحياة اليومية.
النفس على صورة الثالوث
ثلاث قوى روحية بحسب القديس أوغسطينوس
لـالقديس أوغسطينوس (354-430) يدين التقليد الغربي بأقوى عقيدة عن النفس بوصفها صورة الثالوث. ففي الكتب IX وX وXIV من مصنّفه De Trinitate، الذي كُتب بين 399 و419، يلاحظ أسقف هيبّون في النفس البشرية ثلاث ملكات واحدة في الجوهر ومتميّزة نسبيًّا: الذاكرة والعقل والإرادة[5].
وهناك يلخّص أوغسطينوس اكتشافه، في الجوهر، على هذا النحو: الذاكرة والعقل والإرادة ليست ثلاث حيوات ولا ثلاث نفوس ولا ثلاث موادّ، بل حياة واحدة ونفس واحدة وجوهر واحد، وفي هذا الثالوث تكون النفس صورة الثالوث[6].
والتشبيه ثمين. فـالذاكرة، التي تجمع في النفس كلّ ما تملكه، تحيل إلى الآب، مصدر كلّ شيء؛ والعقل، الذي يلد المعرفة، يحيل إلى الابن الكلمة، «معرفة الله»؛ والإرادة، التي تحرّك وتوحّد، تحيل إلى الروح القدس، المحبة المنبثقة من الآب والابن[7]. والأمر يتعلّق بـتخصيص موروث في التقليد: فأوغسطينوس نفسه يحذّر من أن يُفهَم ذلك بالمعنى الخاصّ، لأنّ كلّ شخص إلهيّ يملك الذاكرة والعقل والمحبة[8].
فالصورة لا تقول شيئًا عن الله فحسب، بل تقول شيئًا عن الإنسان أيضًا. فأن نعرف وأن نريد وأن نتذكّر ليست ثلاث عمليات متوازية، بل هي حياة واحدة للنفس منتشرة على ثلاثة وجوه. ومن ثمّ سيقوم الجهد الروحي كلّه على إعادة توجيه هذه القوى الثلاث نحو مصدرها: أن نتذكّر الله، وأن نعرفه، وأن نريده.
التركيب التوماوي: العقل والإرادة
بعد ثمانية قرون، يستعيد القديس توما الأكويني (1225-1274) هذه الحدسية ويعيد صياغتها بدقّة أرسطية. ففي الخلاصة اللاهوتية يخصّص الأسئلة 79 إلى 83 من الجزء الأوّل لقوى النفس العاقلة، ويعدّ على وجه الخصوص قوّتين روحيّتين حقًّا: العقل (الذكاء) والشهوة العاقلة (الإرادة)[9].
فموضوع العقل هو الحقّ؛ وموضوع الإرادة هو الخير. لكنّ الخير ليس سوى الحقّ من حيث هو مرغوب: فالمعرفة والإرادة هما إذن، في النفس، حركتان إحداهما تأمر الأخرى. ويصوغ القديس توما القاعدة الشهيرة:
« Nihil volitum nisi praecognitum »، أي لا يُراد شيء ما لم يُعرَف أوّلًا. مثل مدرسيّ يلخّص القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae q. 9, a. 1[10]
وتعني هذه الصيغة المدرسية أنّ ما من رغبة تسبق موضوعها: فلا يمكن أن نشتهي ما لا فكرة لنا عنه البتّة. وبالمقابل، فالعقل نفسه تحرّكه الإرادة، التي تقرّر إيقاف التفكير أو متابعته: «الإرادة تحرّك العقل من جهة ممارسة فعله»[11]. ففي كلّ فعل إنسانيّ كامل، تأمر الإرادة العقل بما يجب أن يبحث عنه، ويقدّم العقل إلى الإرادة ما يجب أن تحبّه.
ويرث القديس توما هنا تقليدًا لاتينيًّا طويلًا، أوغسطينوس وبويثيوس وأنسلم، ويجعل منه عمارة الحياة الأخلاقية والروحية: فكلّ خطيئة هي aversio a Deo, conversio ad creaturam، إعراض عن الله وانعطاف نحو الخليقة، بالإرادة، تحت نظر العقل[12]. أمّا الفضائل التي تنظّم المحبة نحو الله والقريب، كالعدل والمحبة، فهي habitus، أي استعدادات ثابتة، لهذه الإرادة عينها المنوَّرة بالعقل[13].
الاستعادة في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
يجمع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، الذي أصدره القديس يوحنا بولس الثاني عام 1992، هذا التقليد كلّه في قسمه الأخلاقي، في القسم الأوّل من الجزء الثالث، «دعوة الإنسان: الحياة في الروح».
«الحرية هي القدرة، المتجذّرة في العقل والإرادة، على الفعل أو عدم الفعل، وعلى فعل هذا أو ذاك، وعلى القيام من تلقاء الذات بأفعال مدروسة. وبالإرادة الحرة يتصرّف كلّ واحد بنفسه. والحرية في الإنسان قوّة نموّ ونضج في الحقيقة والصلاح. وتبلغ الحرية كمالها حين تُوجَّه نحو الله، غبطتنا.» التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 1731[14]
وثمة ثلاثة عناصر يجب الاحتفاظ بها. أوّلًا: الحرية ليست معطًى خارجيًّا؛ بل هي متجذّرة في العقل والإرادة، أي في قوّتَي النفس الروحيّتين. ثانيًا: الحرية غائية، موجَّهة نحو غاية، مصنوعة لتتوجّه نحو خير ما، واكتمالها يقوم على التوجّه نحو الخير الأسمى. ثالثًا: نضجها الكامل ليس إذن في التأرجح اللامحدود بين خيارات لا مبالية، بل في الانضمام إلى الله.
ويوضّح التعليم المسيحي في موضع آخر أنّ هذا التوجّه يمرّ بالمعرفة: «رغبة الله مكتوبة في قلب الإنسان» (§ 27)[15]، والإنسان قادر، بأنوار عقله وحدها، على الصعود إلى خالق (§ 36)[16]، لكنّ هذه المعرفة الطبيعية تبقى غير كافية من دون الإيمان، الذي «هو أوّلًا انضمام الإنسان الشخصي إلى الله» (§ 150)[17]. فالإيمان يشمل إذن الأساسين معًا: انضمام العقل الذي يستسلم للحقيقة الموحاة، وانضمام الإرادة التي تسلّم ذاتها لها.
الإرادة، جذر كلّ حياة روحية
ما المقصود بـ«الإرادة» في الحياة الداخلية
ليست الإرادة نزوة ولا رغبة عابرة. فهي، في التقليد الكاثوليكي، القوّة التي بها تنزع النفس بحرية ورويّة نحو خير معروف. ويميز القديس توما في هذا الصدد بين الرغبة الواهنة، أي رغبة غامضة غير منظَّمة نحو الفعل، والإرادة الفعّالة، أي قرار ثابت يشمل الفعل ويسنده[18].
وهذا التوضيح حاسم للحياة الروحية. فكثير من النفوس تظنّ أنّها تريد القداسة لأنّها تتمنّاها نظريًّا؛ لكنّها في الواقع لا تملك سوى رغبة واهنة لم ترتقِ بعد إلى مرتبة الإرادة الحقيقية. وقاعدة التمييز بسيطة: إن كنت أستطيع وأريد حقًّا، فسأفعل. فإن لم أفعل، فإمّا أنّي لم أستطع، وإمّا أنّي لم أرد حقًّا.
ومنطق الإرادة والقدرة هذا مكتوب في طبيعة الإرادة البشرية عينها. وقد صاغه أرسطو من قبل (الميتافيزيقا، Θ 5، 1048a)؛ وينظّمه القديس توما مميّزًا بين voluntas ut natura، التي تنزع تلقائيًّا نحو الخير بصورة عامة، وvoluntas ut ratio، التي تختار بحرية بين خيور جزئية[19]. والقداسة من شأن الثانية: اختيار مدروس ثابت، مستعدّ للتضحية بكلّ شيء في سبيل موضوعه.
القاعدة الذهبية: الإرادة والقدرة تصنعان الفعل
تحكم قاعدة عملية الفعل الإنساني كلّه: ما نستطيعه ونريده نفعله. فإن لم يتحقّق الفعل، فإمّا أنّ القدرة مفقودة، وإمّا أنّ الإرادة قاصرة، ولا إمكان ثالث.
وتتحقّق تجربة مألوفة من ذلك: فحين تجلس على كرسيّ، إن كنت تستطيع النهوض وتريد النهوض، فستنهض؛ وإن لم تنهض، فلأنّ أحد الشرطين مفقود. وإذا نُقلت هذه القاعدة إلى الحياة الروحية كانت صاعقة. فإذا كان الله يريد أن نحيا حياته، وهو يريد ذلك لأنّه خلقنا لهذه الغاية[20]، وإذا كان هو نفسه قادرًا على كلّ شيء، فـالسبب الوحيد الممكن للتعطّل هو إرادتنا نحن. لا لأنّ النعمة تُرفَض عنّا، بل لأنّ قبولنا لم يرتقِ بعد إلى مرتبة القرار الفعّال.
وقد جعل القديس ألفونس دي ليغوري (1696-1787)، معلّم الكنيسة ومؤسّس الرهبنة الفادية، من ذلك محور روحانيته المركزي:
«كلّ القداسة تقوم على محبة الله، وكلّ محبة الله تقوم على عمل مشيئة الله.» القديس ألفونس دي ليغوري، ممارسة محبة يسوع المسيح، «مبادئ عامة للحياة الصالحة»، § 21[21]
وبعد ذلك، في الكتاب عينه:
«لكنّ اتّحادنا بمشيئة الله يجب أن يكون كاملًا، بلا تحفّظ، وثابتًا، بلا انقطاع. فهذا هو قمّة الكمال.» القديس ألفونس دي ليغوري، ممارسة محبة يسوع المسيح، الفصل 13، § 5[22]
الله يحكم على النيّة، لا على عظمة الفعل
ومن هذه الأولوية ينبع مبدأ روحي آخر: الله لا يحكم على بهاء الأعمال، بل على نقاء الإرادة التي تحرّكها. فالعمل الصالح المنجز بالعادة أو الغرور أو الحساب هو، بحسب كلمة القديس بولس، ألّا يكون المرء «إلّا نحاسًا يطنّ أو صنجًا يرنّ» (1 قور 13، 1)[23]. وبالمقابل، يزن عمل ضئيل منجز بمحبة وزنًا لا نهائيًّا أمام الله.
ويعبر هذا المبدأ كلّ المدارس الروحية. فـالقديسة تريزا الطفل يسوع، في رسالة إلى أختها سيلين بتاريخ 20 أكتوبر 1888، تعطيه صياغته الأشهر:
«يسوع لا ينظر إلى عظمة الأعمال ولا حتى إلى صعوبتها بقدر ما ينظر إلى الحبّ الذي يدفعنا إلى القيام بهذه الأعمال.» القديسة تريزا الطفل يسوع، الرسالة 65 إلى سيلين، 20 أكتوبر 1888[24]
والقاعدة عند تريزا هي «الطريق الصغيرة»: فكلّ فعل، مهما كان متواضعًا، يمكن أن يصير تقدمة حين تشمله الإرادة بمحبة. وقد سبق أن صاغت ذلك مجموعة المؤسسات المدعوّة مؤسسات تاولر، وهي تجميع ريناني من القرن الرابع عشر نُشر باللاتينية منذ طبعة سوريوس (كولونيا، 1548) باسم الدومينيكاني يوحنا تاولر (نحو 1300-1361)، لكنّ النقد لا يثبته من تأليفه: «الفضيلة وكلّ الأعمال الصالحة تتوقّف على الإرادة» (الفصل XVIII)[25].
فلا تُقاس عظمة الفعل المسيحي بظهوره، بل بـنوعية الإرادة التي تحمله. فالحركة عينها يتغيّر وزنها جذريًّا بحسب ما إذا كانت الإرادة توحّدها بالله أم لا.
وتثبت لويزا بيكاريتا (1865-1947)، خادمة الله من كوراتو، هذه العقيدة بقوّة في كتاب السماء. فيقول لها يسوع في 7 مايو 1899:
«يا ابنتي، ماذا سيحلّ بالنفوس التي قامت بأعمال كثيرة، حتى صالحة، من دون نقاء نيّة، بالعادة أو بالأنانية؟ يا للخزي الذي ستشعر به يوم الدينونة حين ترى هذه الأعمال، الصالحة في ذاتها، لكنّها فاسدة بسبب نواياها الناقصة. فبدل أن تشرّفها، ستكون مصدر خزي لها ول كثيرين غيرها. ففي الواقع، ليست عظمة الأعمال هي ما يهمّني، بل النيّة التي بها تُصنع.» يسوع للويزا بيكاريتا، كتاب السماء، المجلد 2، 7 مايو 1899[26]
«لكي نعيش في الله، يكفي أن نريد ذلك»
ويفضي هذا التركيز على الإرادة إلى قول ذي بساطة حاسمة: فالنعمة تسبق النفس دائمًا، ولا أحد يرتفع بنفسه إلى ما هو فوق الطبيعة[27]، لكنّ الله لا ينتظر إلّا قبول النفس ليغمرها. فالنعمة لا تُكره الإرادة؛ بل تدعوها، وكلّ قبول كامل يفتح العطية على مصراعيها. وهذا القبول، في صيغته الأشدّ جذريّة، هو ما يطلبه يسوع من خادمة الله لويزا بيكاريتا من أجل عطية العيش في مشيئته الإلهية الخاصّة:
«يا ابنتي، للدخول في مشيئتي، لا طريق ولا باب ولا مفتاح، لأنّ مشيئتي في كلّ مكان. تُوجَد تحت القدمين، إلى اليمين، إلى اليسار، فوق الرأس، في كلّ مكان على الإطلاق. وللدخول فيها، يكفي أن نريد ذلك. فمن دون هذا القرار، حتى لو وُجدت الإرادة البشرية في مشيئتي، فهي لا تكون جزءًا منها ولا تنعم بآثارها. تكون فيها كغريبة. ومنذ اللحظة التي تقرّر فيها النفس الدخول في مشيئتي، تذوب فيّ وأذوب فيها. وتجد كلّ خيراتي في متناولها: القوّة والنور والعون، كلّ ما تريده. يكفي أن تريده فيتمّ الأمر. فمشيئتي تتكفّل بكلّ شيء.» يسوع للويزا بيكاريتا، كتاب السماء، المجلد 12، 16 فبراير 1921[28]
ويكتسب النصّ أهميته بمقابلته مع تصوّر واسع الانتشار للقداسة بوصفها غزوًا بطوليًّا، ثمرة جهود خارقة وإماتات طويلة. ويتابع يسوع في المقطع عينه: «الأمر بالعكس لمن يتقدّم باكتساب الفضائل. فكم من الجهود يلزم، وكم من المعارك، وكم من الطرق الطويلة يجب قطعها! وحين يبدو أخيرًا أنّ الفضيلة تبتسم للنفس، تعيدها هوًى عنيف قليلًا، أو تجربة، أو لقاء عارض إلى نقطة البداية.» وفي المقطع عينه، يقابل يسوع هذا الدخول في مشيئته باكتساب الفضائل وحده، بجهوده ومعاركه وسقطاته: فلمن ينال هذه العطية تكون الطريق أسرع وأبسط من الكفاح الزهدي المنعزل، لأنّها تعالج الجذر بدل تقليم الأغصان.
لماذا لا نبلغ ذلك: الرغبة الواهنة والإرادة المنقسمة
إذا كانت إرادة الله كافية للدخول في حياته، فلماذا يبقى مسيحيون كثيرون، طوال سنوات، في منتصف الطريق؟ جواب التقليد بلا مجاملة: لأنّ إرادتهم ليست إرادة حقيقية. فهي تبقى رغبة واهنة، أمنية مشرّفة، «أودّ لو» لا تحرّك شيئًا.
ويصف القديس بولس هذا التمزّق الداخلي في جملة صارت كلاسيكية:
«لا أفعل الخير الذي أريده، بل أرتكب الشرّ الذي لا أريده.» القديس بولس، الرسالة إلى الرومانيين 7، 19[29]
وهذه الآية، التي علّق عليها مطوّلًا أوغسطينوس ضدّ البيلاجيين وتوما في شرحه للرسالة إلى الرومانيين[30]، لا تصف عجز الإرادة البشرية الكلّي، بل انقسامها الداخلي تحت تأثير الشهوة. فالإرادة تريد الخير من جهة توجّهها العميق، لكنّها لا تريد بعدُ الخير إلى حدّ فعله. فالخلل ليس في القدرة، بل في شدّة الرغبة.
ويشهد القديس أوغسطينوس نفسه لذلك في الكتاب الثامن من الاعترافات، حين يصف، وهو لا يزال أسير النجاسة، صراع إرادتيه، إحداهما جسدية والأخرى روحية، وكان خلافهما يمزّق نفسه[31]. ويحدث الاهتداء حين تتغلّب إحداهما نهائيًّا على الأخرى، لا بجهد خارق، بل بقبول كامل معطًى للنعمة التي كانت تضغط منذ زمن طويل.
ومن هنا الاستنتاج العملي: قبل البحث عن تقنيات للصلاة الأفضل أو لاكتساب فضيلة ما، يجب على المسيحي أوّلًا أن يسأل نفسه بصدق جذري: هل أريد الله حقًّا، إلى حدّ الاستعداد للتضحية بكلّ شيء من أجله؟ فما دامت الإجابة غامضة، لن تكفي أيّ طريقة. ومنذ أن تصير ثابتة، تصبح كلّ الطرق تقريبًا نافعة.
المعرفة، مصدر الرغبة
المبدأ: لا أحد يشتهي ما يجهله
إذا كانت الإرادة محرّك الفعل، فـالمعرفة وقود الرغبة. فالقاعدة المدرسية «nihil volitum nisi praecognitum»، أي لا يُراد شيء ما لم يُعرَف أوّلًا[32]، تصف قانونًا للنفس البشرية: فلا نشتهي واقعًا نجهله كلّ الجهل. قد نشتهي، على الأكثر، السعادة بصورة عامة؛ أمّا لكي يُشتهى خير جزئيّ، فيجب على الأقلّ أن نكون قد سمعنا به، أن نكون قد لمحنا قيمته.
ويفسّر هذا القانون ظاهرة روحية متكرّرة: فقد يبقى إنسان مثقّف لا مباليًا بالحياة في الله لا لأنّه يعارضها، بل لأنّه لا فكرة دقيقة له عنها. لقد سمع بـ*«الله»* و*«الفردوس»* و*«القداسة»*، لكن من دون محتوًى معيش. فما من مذاق أيقظ شهيّته. وبالمقابل، كلّما دخلت نفس في المعرفة الملموسة والدافئة بالله، بالصلاة والكتاب المقدس والليتورجيا وحياة القديسين، اشتعلت رغبتها أكثر.
«متأخّرًا أحببتك، أيّها الجمال القديم جدًّا والجديد جدًّا، متأخّرًا أحببتك! [...] كنتَ في الداخل، وكنتُ أنا في الخارج، وهناك كنت أبحث عنك.» القديس أوغسطينوس، الاعترافات، X، 27، 38[33]
والفعل في محلّه: أحببتك، بعد أن عرفتك. فالمحبة تتبع المعرفة، ومعرفة أوغسطينوس نفسه لم تثمر ثمرها الوجداني إلّا بعد أكثر من عشر سنوات من البحث الفكري.
مَثَل الحجر الكريم
يشرح يسوع ذلك للويزا بيكاريتا في صورة مَثَل صافٍ. فالنفس التي تجهل قيمة عطية المشيئة الإلهية تشبه رجلًا يملك حجرًا كريمًا ظانًّا أنّه حصاة، وإذ يعتقد أنّ قيمته ضئيلة يهمله جهلًا. فالحجر عينه يساوي موضوعيًّا القيمة عينها؛ لكنّ التقدير الذاتي يغيّر كلّ شيء.
«كلّما كلّمتك عن مشيئتي واكتسبتِ معارف جديدة، ازدادت قيمة أعمالك وعظمت الثروات التي تكتسبينها. فالأمر كرجل يملك حجرًا كريمًا ظانًّا أنّه لا يساوي إلّا قرشًا واحدًا. فيلتقي مصادفة بخبير يقول له إنّ حجره يساوي ألف دولار. فهذا الرجل لا يملك الآن قرشًا واحدًا، بل ألف دولار. وبعد ذلك يعرض حجره على صائغ أكثر خبرة فيؤكّد له أنّ حجره يساوي عشرين ألف دولار على الأقلّ. فيملك صاحبنا إذن الآن عشرين ألف دولار. فبقدر ما يعلم أنّ لحجره قيمة، وبالمقدار عينه، يقدّره ويعتني به، واعيًا أنّه كلّ ثروته. [...] هكذا الأمر بالنسبة إلى مشيئتي وإلى الفضائل بصورة عامة. فبقدر ما تفهم النفس هذه الأمور وتكتسب المعارف المناسبة لها، تكتسب أعمالها قيمًا وثروات جديدة.» يسوع للويزا بيكاريتا، كتاب السماء، المجلد 13، 25 أغسطس 1921[34]
ويتخطّى التعليم حالة المشيئة الإلهية وحدها. فهو البنية الكونية للحياة المسيحية: فالقربان المقدس والاعتراف والصلاة والقداس لا تتغيّر في الواقع لأنّنا نتعلّم قيمتها، فقيمتها الذاتية اللامتناهية تبقى ما هي عليه. لكنّ وزنها الذاتي بالنسبة إلى النفس يتغيّر جذريًّا. فالمناولة عينها لا تساوي الشيء عينه للطفل الذي يتقدّم شاردًا وللمتصوّف الذي يعلم بمن يتّحد. فمعرفة قيمة ما تعطيه العقيدة هي البدء في نيل ما تعطيه فعليًّا.
المعرفة بوصفها «عقد» العطية
وفي كتاب السماء يذهب يسوع أبعد: فالمعرفة ليست مجرّد شرط سابق للرغبة، بل هي كـالعقد الذي به تتهيّأ النفس لنيل العطية.
«يا ابنتي، صحيح أنّ العيش في مشيئتي عطية، وأنّها أعظم العطايا. لكنّ هذه العطية، التي لها قيمة لا نهائية، والتي هي عملة تزداد قيمتها في كلّ لحظة، والتي هي نور لا يخفت أبدًا، والتي هي شمس لا تغرب أبدًا وتعيد إلى الإنسان مكان شرفه وسيادته في الخليقة، لا تُمنَح إلّا لمن هم مستعدّون جيّدًا، ولن يبدّدوها، ومستعدّون للتضحية بحياتهم نفسها لكي تكون لهذه العطية السيادة الكاملة فيهم. [...] لا بدّ أن يكون الإنسان مستعدًّا جيّدًا، وأن يعرف العطية المقدَّمة معرفة جيّدة، وأن يقدّرها حقًّا. فالمعرفة هي له الخطوة الأولى الواجب قطعها: هذه المعرفة تفتح الطريق وهي كالعقد الواجب توقيعه لنيل العطية. فكلّما اكتسبت النفس معارف عن مشيئتي، ازدادت رغبتها فيها وازداد إلحاحها على الواهب الإلهيّ ليضع توقيعه على العقد الذي سيعطيها إيّاها. وعلامة أنّي أريد الآن منح الخليقة عطية مشيئتي هي أنّي أرغب كثيرًا في أن تنتشر معرفتها في كلّ مكان.» يسوع للويزا بيكاريتا، كتاب السماء، المجلد 18، 25 ديسمبر 1925[35]
والمقطع كثيف. فهو يعلّم (1) أنّ قيمة عطية الله لا نهائية؛ و(2) أنّ كلّ استعداد لنيلها يفترض تقدير قيمتها؛ و(3) أنّ هذا التقدير يتطلّب المعرفة؛ و(4) أنّ هذه المعرفة، حين تتعمّق، تُلحّ على الله ليعطي. وهذه النقطة الأخيرة تقلب المنطق المعتاد: فليس الإنسان وحده من يُلحّ على الله بصلاته، بل ازدياد المعرفة هو ما يعمل كمطالبة فعّالة. فكلّما ازدادت معرفة النفس، ازداد انجذاب الواهب إلى العطاء.
معرفة الله هي الحياة الأبدية عينها
ليست المعرفة مجرّد وسيلة لإيقاظ الإرادة. بل هي غاية في ذاتها، الحياة الأبدية وقد بدأت أصلًا. فيقول يسوع ذلك بعبارات صريحة عشية آلامه، في الصلاة الكهنوتية الكبرى التي يرويها القديس يوحنا:
«والحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، والذي أرسلته، يسوع المسيح.» إنجيل القديس يوحنا، 17، 3[36]
والقول خارق. فـالحياة الأبدية، أي السماء والغبطة النهائية، لا تُعرَّف هنا بأنّها حالة لذّة أو غياب ألم أو حتى المحبة وحدها، بل بأنّها معرفة. معرفة الله. وهو ما يدعوه التقليد الرؤية المغبوطة (التعليم المسيحي § 1028)[37]. ويجعل القديس توما منها قمّة الغبطة: لا محبة الله فحسب، بل رؤيته كما هو، ومن هذه الرؤية عينها تنبع المحبة الكاملة[38].
وعلى الأرض، لا تزال هذه المعرفة جزئية: «نرى الآن بصورة غامضة، كما في مرآة» (1 قور 13، 12)[39]. لكنّ كلّ خطوة تخطوها النفس في معرفة الله هي منذ الآن تذوّق مسبق للسماء. ولهذا يصلّي القديس بولس من أجل أهل قولوسي: «نطلب إلى الله أن يملأكم من معرفة مشيئته الكاملة، بكلّ حكمة وفهم روحي» (قول 1، 9)[40].
والنتيجة العملية هائلة. فدراسة العقيدة الكاثوليكية، وقراءة الآباء والمعلّمين، والتأمّل في الكتاب المقدس، وتأمّل الليتورجيا، وقراءة حياة القديسين، ليست ترفًا فكريًّا: بل هي الدخول منذ هذه الأرض في ما سيكون إلى الأبد الحياة الأبدية. وكما كتب القديس إيرونيموس: «جهل الكتب المقدسة هو جهل المسيح»[41]، وهي صيغة استعادها المجمع الفاتيكاني الثاني في Dei Verbum § 25[42].
الهلاك من نقص المعرفة
وبالمقابل، فإنّ جهل الله هو، في الوحي، السبب العميق لخراب شعب أو نفس روحيًّا. فقد كان النبي هوشع، في القرن الثامن قبل يسوع المسيح، يندّد بمرارة بانحطاط إسرائيل:
«شعبي يهلك من نقص المعرفة.» النبي هوشع، 4، 6[43]
وتضرب الجملة بإيجازها وكونيتها. فما يقوله النبي لا يصحّ على إسرائيل في زمن هوشع فحسب. بل هو القانون الروحي: فمن دون معرفة الله تنحرف النفس؛ ومن دون معرفة خطيئتها تتصلّب؛ ومن دون معرفة كرامتها تتحقّر. فالمعرفة ليست إذن زينة للحياة الروحية: بل هي شرط بقائها.
وتلتقي هذه الملاحظة مع حكمة الكتاب المقدس كلّها. فيؤكّد سفر الأمثال (1، 7) ذلك على طريقته: «بدء المعرفة مخافة الربّ!»[44]. ويوضّح سفر الحكمة (15، 3): «لأنّ معرفتك هي البرّ الكامل، ومعرفة سلطانك هي أصل الخلود»[45]. ويوضّح موجز التعليم المسيحي: «هذا يعني الانضمام إلى الله نفسه، بالثقة به وإعطاء الموافقة على كلّ الحقائق التي كشفها، لأنّ الله هو الحقيقة» (الموجز، رقم 27)[46].
من أُعطي كثيرًا سيُطالَب بكثير
بيد أنّ هذا الارتقاء بالمعرفة ينطوي على مقابل قاسٍ. فكلّما ازدادت معرفة النفس ازدادت مسؤوليتها. وكلّما ازداد ما نالته ازداد ما ستُطالَب به. فيقول يسوع ذلك بعبارات مهيبة:
«الخادم الذي يعرف مشيئة سيّده ولا يهيّئ شيئًا ولا يعمل بهذه المشيئة، سيُضرَب ضربًا كثيرًا. أمّا الذي لا يعرفها ويرتكب ما يستحقّ الضرب، فسيُضرَب ضربًا قليلًا. فمن أُعطي كثيرًا سيُطالَب بكثير؛ ومن اؤتُمن على كثير سيُطالَب بأكثر.» إنجيل القديس لوقا، 12، 47-48[47]
ويحذّر المقطع من أنّ المعرفة ليست محايدة أبدًا. فنيل تعليم الكنيسة والقديسين والكتب المقدسة هو نيل وزنة (راجع مت 25، 14-30) يجب إثمارها. فمن يعلم أنّ الله محبة ويرفض أن يحبّه لا يخطئ كالجاهل الذي لا يعلم شيئًا: فخطؤه يُقاس بسعة النور المنال. ويستعيد القديس توما هذا التمييز متحدّثًا عن ignorantia vincibilis (التي كان يمكن تجاوزها) وعن ignorantia invincibilis، اللتين تختلف مسؤولياتهما اختلافًا جذريًّا[48].
بيد أنّ هذه الخطورة يجب ألّا تقود أبدًا إلى الهرب من المعرفة، بل إلى إشراكها في الإرادة. فهذا هو معنى اقتران الأساسين: أن نعرف لكي نريد، وأن نريد لكي لا نجعل المعرفة عبئًا عديم الجدوى. فكلّ معرفة مكتسبة من دون تنفيذ تبقى عقيمة: فهي تزيد المسؤولية من دون أن تزيد المحبة.
ترابط الأساسين
أن نعرف لكي نريد، وأن نريد لكي نعرف أكثر
ليست العلاقة بين الأساسين هرمية بل دائرية. فالمعرفة تسبق الرغبة، nihil volitum nisi praecognitum. لكنّ الرغبة، بدورها، تأمر العقل أن يذهب باحثًا أبعد: فنتعلّم بصورة أفضل ما نحبّه، ونحتفظ بما يمسّ القلب. فمن دون محبة يبقى الذهن على سطح الأمور. وكما يلخّص باسكال ذلك بكلمة شهيرة: «نعرف الحقيقة لا بالعقل فحسب، بل بالقلب أيضًا»[49].
ويقول القديس توما، بمزيد من التقشّف، الشيء عينه: فالإرادة «تحرّك قوى النفس الأخرى» (Ia-IIae, q. 9, a. 1)، بما فيها العقل من جهة ممارسة فعله[50]. ولهذا فإنّ إنسانًا يقرّر البحث عن الله، حتى من دون أن يكون قد فهم كثيرًا بعد، ينتهي إلى فهم لا نهائيّ؛ بينما يبقى إنسان لم يتّخذ هذا القرار، وإن كان واسع الاطّلاع، في نور بارد لا يغيّر شيئًا في حياته.
فيتنظّم الذهاب والإياب إذن على هذا النحو:
| الخطوة | الملكة المتحرّكة | الأثر الروحي |
|---|---|---|
| معرفة قيمة الخير الروحي | العقل | ولادة الرغبة |
| تقدير ما عُرف | عقل منوَّر بالنعمة | اهتداء الحكم تدريجيًّا |
| إرادة الخير المقدَّر | الإرادة | قرار ثابت، انطلاق |
| الفعل لبلوغ الخير | إرادة مسلّحة بالعقل | تنفيذ، فضيلة بالفعل |
| تذوّق الخير المُمتَلَك | إرادة متّحدة بالعقل | معرفة وجدانية، حكمة |
| الرغبة في المزيد | إرادة تأمر العقل | طلب نور جديد |
ويقول الجدول، على تبسيطه، الجوهر: فالحياة الروحية حلزون صاعد يدعو فيه كلّ تقدّم لملكة ما إلى تقدّم للأخرى.
الذاكرة والوجدان والنعمة: فعل الروح
تذكّر الأوغسطينية بأنّ النفس تملك، إلى جانب العقل والإرادة، قوّة ثالثة: الذاكرة، التي تجمع ما نالته وتحفظه. فيعترف القديس أوغسطينوس بأنّ الله لم يكن في ذاكرته قبل أن يُعرَف: «أين وجدتك إذن لأتعلّمك؟ لم تكن في ذاكرتي قبل أن أعرفك»، وأنّه وجده في الله، فوقه (الاعترافات، X، 26، 37)[51]. فمن دون الذاكرة تتبخّر المعرفة بقدر ما تُكتسَب؛ ومن دون ذكر الله لا يعود للإرادة اتّجاه.
فالحياة الروحية لا تشمل إذن قوّتين فحسب، بل ثلاثًا، في مقابلة مع الثالوث. والروح القدس، المحبة المنبثقة من الآب والابن[52]، هو من يحرّك إرادة الإنسان داخليًّا ويميل بها إلى القبول، كما يكتب القديس بولس إلى الرومانيين: «لأنّنا لا نعلم كيف نصلّي كما ينبغي. فالروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا توصف» (رو 8، 26)[53]. فما من حركة حقيقية للإرادة نحو الله مصدرها الطبيعة وحدها: بل هي مسبوقة بالنعمة.
وقد حسم مجمع أورانج الثاني (529) المسألة ضدّ البيلاجيين وشبه البيلاجيين: «إن قال أحد إنّ نعمة الله يمكن أن تُعطى بالدعاء البشري، لكنّ النعمة نفسها ليست هي التي تجعلنا ندعو، فهو يناقض النبي إشعيا والرسول» (رو 10، 20)[54]. وبعبارة أخرى، حتى أوّل فعل للإرادة التي تتّجه نحو الله هو أصلًا محرَّك بالنعمة. وتستعيد هذه العقيدةَ مجمعُ ترنت، الجلسة VI، القانون 3[55]، والتعليم المسيحي §§ 1996-2005[56].
المزالق المتناظرة: النزعة الفكرية والنزعة الإرادية
إنّ توازن الأساسين دقيق إلى حدّ يفرض تجنّب مزلقين متناظرين.
تقوم النزعة الفكرية الروحية على تجميع المعارف عن الله من دون إشراك الإرادة. فهي الفريسيّ الذي يعرف الشريعة ولا يمارسها (راجع مت 23، 3)، وهي اللاهوتيّ الذي يتحدّث عن الله ولا يصلّي له، وهي الكاثوليكيّ الذي يقرأ كثيرًا ولا يغيّر شيئًا. وقد أعطى القديس يعقوب وصفًا لا يرحم لذلك:
«أنت تؤمن بأنّ الله واحد. حسنًا تفعل! لكنّ الشياطين أيضًا يؤمنون ويرتعدون.» القديس يعقوب، الرسالة 2، 19[57]
فالمعرفة التي لا تُشرك الإرادة تبقى عقيمة: فهي تنير الذهن من دون أن تحوّل الحياة.
والنزعة الإرادية الروحية هي المزلق المعاكس: إشراك الإرادة عمياء، من دون نور. فهي النفس التي تريد أن تكون قديسة «لتكون قديسة»، والتي تضاعف الجهود بالمزاج وتنهك نفسها راكضة وراء صورتها الذاتية. فالقديس بولس، الذي كان هو نفسه قد شارك في هذه الغيرة حين كان يضطهد الكنيسة (غلا 1، 13-14؛ في 3، 6)[58]، يصلّي من أجل خلاص إسرائيل شاهدًا في الوقت عينه: «لهم غيرة لله، لكنّها غيرة لا تنيرها المعرفة الكاملة» (رو 10، 1-2)[59]. فهذا هو جذر كلّ التصلّبات الورعة وبعض الانحرافات الصوفية.
والطريق الكاثوليكي هو التمسّك المشترك بالأساسين: معرفة تُشرَك في الإرادة، وإرادة تدع نفسها تُرشَد بالمعرفة. ويعبّر التعليم المسيحي عن ذلك بصيغة رصينة: «الإيمان عمل شخصي: جواب الإنسان الحرّ على مبادرة الله الذي يكشف ذاته» (§ 166)[60]. جواب شخصي، أي من الإرادة؛ على مبادرة الله الذي يكشف ذاته، أي على المعرفة المنالة.
مريم، النموذج الكامل لاتّحاد الأساسين
يجد اتّحاد المعرفة والإرادة الكامل قمّته الخلائقية في العذراء مريم. فرواية البشارة (لو 1، 26-38) تُظهر ذلك بإعجاب: فتاة الناصرة لا تقبل إلّا بعد أن تفهم مدى ما يُقترَح عليها. فتسأل الملاك جبرائيل: «كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلًا؟» (لو 1، 34)[61]. فمعرفتها أوّلًا؛ ثمّ إرادتها.
وفياتها، «ليكن لي بحسب قولك» (لو 1، 38)[62]، ليست استسلام إرادة تنمحي؛ بل هي الفعل الأحرّ والأخصب لخليقة بسيطة، الفعل الذي يتوقّف عليه تجسّد الكلمة. وقد لاحظ القديس أوغسطينوس ذلك من قبل: فمريم، الممتلئة إيمانًا عند إعلان الملاك، تحبل بالمسيح في ذهنها أوّلًا قبل أن تحبل به في أحشائها[63]. فالمعرفة تسبق القبول؛ والقبول يطلق النعمة.
وهكذا تكون مريم الصورة المثالية للأساسين في توازن كامل: عقل يقظ تمامًا، وإرادة مسلَّمة تمامًا. ولهذا يرى التقليد الكاثوليكي في فياتها قمّة الإيمان: فيقول التعليم المسيحي عن مريم إنّها «تحقّق بأكمل صورة طاعة الإيمان» (§ 148)[64]، وهي النموذج الذي تُدعى كلّ نفس مسيحية إلى النزوع نحوه.
عيش الأساسين في الحياة اليومية
تغذية معرفة الله
النتيجة العملية الأولى هي أنّ ما من مسيحيّ يستطيع الاستغناء عن دراسة إيمانه. لا ليصير لاهوتيًّا، بل لأنّ ما من شعلة محبة تحترق طويلًا من دون وقود. وهذا يعني عمليًّا:
- قراءة منتظمة للكتاب المقدس، «كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي» (مز 119، 105)[65]؛
- مواظبة التعليم المسيحي، الذي يعترف به القديس يوحنا بولس الثاني، عند إصداره، «بوصفه أداة صالحة ومعتمدة في خدمة الشركة الكنسية وقاعدة أكيدة لتعليم الإيمان»[66]؛
- قراءة القديسين والمعلّمين: أوغسطينوس، برناردوس، توما، كاترينا السيينية، تريزا الأفيلية، يوحنا الصليب، فرنسوا دي سال، ألفونس دي ليغوري، تريزا الطفل يسوع، فوستينا، المكرّمة مارت روبان، خادمة الله لويزا بيكاريتا، فكلّ واحد ينير زاوية من الحقيقة؛
- الإصغاء بانتباه إلى الليتورجيا، مدرسة الإيمان الأولى للمؤمنين العاديين (التعليم المسيحي §§ 1074-1075)[67]؛
- التأمّل في أعمال الله العظيمة في الخلق والفداء والتقديس.
فتغذية المعرفة ليست تجميع معلومات، بل ترك حقيقة تصير مذاقًا. فالمسيح يدعو نفسه «خبز الحياة» (يو 6، 35)[68]: فلا نقترب منه للتنظير حول الخبز، بل لأكله.
إشراك الإرادة كلّ يوم
والنتيجة الثانية هي أنّ ما من معرفة تنفع من دون إشراك يوميّ للإرادة. ويقترح التقليد الروحي عدّة حركات بسيطة تفعّل هذه الإرادة، بعيدًا عن أيّ ادّعاء بطولي:
- فعل تقدمة الصباح، الذي به تضع الإرادة إطار النهار كلّه: «أقدّم لك، يا إلهي، كلّ أفكاري وأقوالي وأفعالي وآلامي»؛
- نقاء النيّة المتجدّد قبل كلّ فعل مهمّ: «أفعله من أجلك، يا ربّ»، وهي حركة، كما علّمت القديسة تريزا الطفل يسوع، تحوّل قيمة غسل صحون أو رسالة إلكترونية تافهة؛
- الصلاة الداخلية القصيرة في أثناء النهار، أي أفعال الحضور أمام الله للأخ لوران القيامة[69]، التي تُبقي الإرادة متّجهة نحو الهدف؛
- فحص الضمير المسائي، الذي ليس محاسبة أخلاقية، بل إعادة قراءة محبّة: أين تبعت إرادتي الله؟ وأين انحرفت عنه؟؛
- الاعتراف المنتظم، الذي يصحّح الإرادة المجروحة بالخطيئة.
فكلّ هذه الحركات لا تخلق مشيئة الله: بل تكتفي بـتلقّيها وجعلها اعتيادية. فالأمانة للأمور الصغيرة تغيّر شيئًا فشيئًا نوعية الإرادة عينها.
تمييز الرغبات الحقيقية والرغبات الواهنة
والنتيجة الثالثة هي عمل تمييز على المحتوى الحقيقي لإرادتنا. فما دامت الإرادة غير مفحوصة، فهي تظنّ نفسها ما تودّ أن تكونه؛ وتحت نظر الله تكتشف نفسها ما هي عليه. وتتيح أسئلة عدّة، مطروحة بصدق، اختبار رغبة ما:
| المؤشّر | الرغبة الواهنة | الإرادة الحقيقية |
|---|---|---|
| الثبات في الزمن | تظهر وتختفي | تبقى، حتى حين تضعف المشاعر |
| الاستعداد لدفع ثمن | تسعى إلى تجنّب الجهد | تقبل التضحيات اللازمة |
| الهرمية مع الرغبات الأخرى | تتنازل أمام رغبة معاكسة | تُخضع الرغبات الأخرى |
| الأثر على النهار | تبقى أمنية ورعة | تغيّر برنامج الوقت والخيارات الملموسة |
| الكلمات المستعملة | «أودّ لو»، «سيكون حسنًا» | «أريد»، «سأفعل» |
فوظيفة التمييز ليست إذلال النفس، بل تنقية إرادتها. فالرغبة الواهنة المعترف بها كذلك يمكن أن تصير، بالنعمة، إرادة حقيقية. أمّا الرغبة الواهنة المظنونة إرادة حقيقية فتبقى إلى الأبد في حالة أمنية. ولهذا يطلب القديس إغناطيوس دي لويولا، في الرياضات الروحية، من المتريّض أن يحدّد «حركات» النفس وأن يميّز ما تريده الإرادة حقًّا تحت ما تظنّ أنّها تريده[70].
التعمّق في Via Divina: يستعيد هذا المقال في موسوعة درسًا من تكوين Via Divina المجاني حول أساسَي الحياة الروحية. لمتابعة التعليم الكامل، وإدماجه في مسار منظّم وتطبيقه يوميًّا: افتح تكوين Via Divina.
للمزيد من التعمّق
- أن نريد ما يريده الله هو سعادتنا الكبرى، التطبيق المباشر لأولوية الإرادة.
- الانتقال من الإرادة الذاتية إلى مشيئة الله، الانتشار الروحي والصوفي للمبدأ عينه.
- المشيئة الإلهية، خلاصة عقائدية للـعطية المعلنة للويزا بيكاريتا.
- معرفة محبة الله تولّد الثقة، تطبيق آخر لمبدأ المعرفة.
- الهوّتان: التواضع والثقة، ترابط موازٍ لمعرفتين مؤسّستين.
- المراحل الثماني للحياة الروحية، المسار الكامل الذي يندرج فيه هذان الأساسان.
الملاحظات والمراجع
التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 1731 (الجزء الثالث، القسم الأوّل، الفصل 1er، المادة 3، «حرية الإنسان»)، Mame/Plon، 1992. النصّ الكامل على vatican.va.
1 14القديسة تريزا الطفل يسوع، الرسالة 65 إلى أختها سيلين، 20 أكتوبر 1888، في الأعمال الكاملة، Cerf / Desclée De Brouwer، 1992 (LT 65، 20 أكتوبر 1888).
2 24تاولر المنحول، المؤسسات المدعوّة مؤسسات تاولر، الفصل 18: «لأنّ الفضيلة وكلّ الأعمال الصالحة تتوقّف على الإرادة» (Les Institutions de Tauler، طبعة جديدة، Paris، A. Tralin، 1909، الفصل XVIII، ص. 194؛ مستعاد في Le Livre des Amis de Dieu ou Les Institutions divines، ترجمة E. Pierre-Noël، Arfuyen، 2011). مجموعة رينانية من القرن الرابع عشر منشورة باسم يوحنا تاولر (نحو 1300-1361)، لا يثبت النقد نسبتها إليه (وحدها عظاته أصيلة)؛ نُشرت باللاتينية منذ طبعة سوريوس (كولونيا، 1548).
3 25L. Piccarreta، كتاب السماء، المجلد 12، 16 فبراير 1921، المدخل 12-152 «للدخول في المشيئة الإلهية، يكفي أن نريد ذلك» (Éditions Centro Studi Piccarreta / الطبعة الفرنسية Résiac؛ الطبعة الفرنسية Lumen Luminis، المجلد 12، ص. 202).
4 28القديس أوغسطينوس، De Trinitate، الكتب IX وX وXIV (نحو 399-419)، في Œuvres de saint Augustin، BA 16، Desclée De Brouwer، 1955. الترجمة الفرنسية المرجعية متاحة على Wikisource.
5القديس أوغسطينوس، De Trinitate، X، 11، 17-18، BA 16 (الملخّص أعلاه ترجمة تحريرية مكثّفة؛ ترجمة Raulx: «كما أنّ هذه الأمور الثلاثة، الذاكرة والعقل والإرادة، ليست ثلاث حيوات بل حياة واحدة، ولا ثلاث نفوس بل نفس واحدة؛ فهي إذن ليست ثلاث موادّ، بل مادة واحدة»؛ والفصل XII، § 19: النفس صورة الثالوث). اللاتينية (X، 11، 18): « Haec igitur tria, memoria, intelligentia, voluntas, quoniam non sunt tres vitae sed una vita, nec tres mentes sed una mens… nec tres substantiae sunt sed una substantia ».
6القديس أوغسطينوس، De Trinitate، XIV، 16، 22، BA 16: صورة الله في النفس، المشوَّهة بالخطيئة (deformitas)، لا تستطيع أن تعيد تشكيل نفسها بنفسها، فالله هو من يعيد تشكيلها (reformatur). حول ثالوث memoria, intelligentia, voluntas، انظر الكتب IX-X. وحول الروح القدس بوصفه المحبة، انظر XV، 17، 27-29، مع تحذير أوغسطينوس من أيّ توزيع حصري للملكات بين الأشخاص (XV، 7، 12؛ XV، 17، 28).
7القديس أوغسطينوس، De Trinitate، XV، 7، 12: كلّ شخص إلهيّ يتذكّر ويفهم ويحبّ، فالآب ليس الذاكرة وحدها، ولا الابن العقل وحده، ولا الروح المحبة وحدها. فالمقابلة ذاكرة–آب، عقل–ابن، إرادة–روح هي تخصيص موروث في التقليد، لا توزيع بالمعنى الخاصّ.
8القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia، qq. 79-83 (العقل، الشهوة الحسّية والإرادة)، مصنّف كُتب بين 1265 و1273. طبعة مرجعية: éd. Cerf، Paris، 1990؛ النصّ الإنجليزي للآباء الدومينيكان على newadvent.
9القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 9، a. 1 (هل تحرّك الإرادةُ العقلَ؟). فصيغة « nihil volitum nisi praecognitum » مَثَل مدرسيّ، لا اقتباس حرفي من توما؛ ففي متن المادة يثبت توما أنّ العقل يحرّك الإرادة بتقديم موضوعها إليها (« the intellect moves the will, as presenting its object to it »، ترجمة الآباء الدومينيكان الإنجليزية، newadvent).
10 32القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 9، a. 1، ad 3. حول الأمر المتبادل عقل ↔ إرادة، انظر أيضًا q. 17، a. 1.
11 50القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 73، a. 3، sol. 2، De comparatione peccatorum (éd. Cerf): «الانعطاف غير المشروع نحو خير زائل يولّد الإعراض عن الخير غير الزائل، الذي فيه تتحقّق ماهية الشرّ» (راجع a. 1، sol. 1؛ a. 5). فصيغة aversio a Deo, conversio ad creaturam تلخّص هذه البنية المزدوجة لكلّ خطأ أخلاقي.
12القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 56، a. 6: الإرادة لا تحتاج إلى فضيلة إلّا إزاء خير يتجاوز قدرتها، الخير الإلهي أو خير القريب. أمّا الفضائل الأخرى فلها مواضيع أخرى: الفضائل الفكرية العقل (a. 3)، والقوّة والاعتدال الشهوة الحسّية (a. 4).
13التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 27، «رغبة الله مكتوبة في قلب الإنسان»، Mame/Plon، 1992. vatican.va.
15التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 36: الفاتيكاني الأوّل، Dei Filius، الفصل 2، مستعاد في التعليم المسيحي: يمكن معرفة الله بيقين بأنوار العقل الطبيعي.
16التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 150: «الإيمان هو أوّلًا انضمام الإنسان الشخصي إلى الله؛ وهو في الوقت عينه، وبصورة لا تنفصل، القبول الحرّ بكلّ الحقيقة التي كشفها الله.» (vatican.va).
17القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 13، De electione؛ q. 15، De consensu؛ q. 17، De imperio. ويُعالَج تمييز الرغبة الواهنة / الإرادة الفعّالة في q. 13، a. 5.
18القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 10، a. 1، c. وad 3: تنزع الإرادة طبيعيًّا نحو الخير بصورة عامة ونحو الغاية القصوى، لكنّها تبقى غير متحدّدة إزاء الخيور الجزئية. وتُطرح صيغة voluntas ut natura / voluntas ut ratio (thélèsis / boulèsis، بحسب يوحنا الدمشقي) في IIIa، q. 18، a. 3، c. (تعالج a. 2 إرادة الحسّية).
19التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 1721، دعوتنا إلى الغبطة. «لأنّ الله وضعنا في العالم لنعرفه ونخدمه ونحبّه وهكذا نبلغ الفردوس.»
20القديس ألفونس دي ليغوري، ممارسة محبة يسوع المسيح (1768)، «مبادئ عامة للحياة الصالحة»، § 21: «كلّ القداسة تقوم على محبة الله، وكلّ محبة الله تقوم على عمل مشيئة الله.» (ترجمة فرنسية، Bruxelles، H. Vanderborght، 1845).
21القديس ألفونس دي ليغوري، ممارسة محبة يسوع المسيح، الفصل 13، § 5: «لكنّ اتّحادنا بمشيئة الله يجب أن يكون كاملًا، بلا تحفّظ، وثابتًا، بلا انقطاع. فهذا هو قمّة الكمال.» (ترجمة فرنسية، Bruxelles، H. Vanderborght، 1845، ص. 447). راجع أيضًا الامتثال لمشيئة الله، مصنّف نُشر منفصلًا عام 1755.
22القديس بولس، الرسالة الأولى إلى القورنثيين، 13، 1. الترجمة الليتورجية الفرنسية AELF.
23L. Piccarreta، كتاب السماء، المجلد 2، 7 مايو 1899، مدخل «نقاء النيّة» (Éditions Centro Studi Piccarreta / الطبعة الفرنسية Résiac؛ الطبعة الفرنسية Lumen Luminis، المجلد 2، ص. 32).
26التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، §§ 1996-2005، النعمة. تُعرَض هناك عقيدة أولوية النعمة على العمل البشري على خطى القديس أوغسطينوس ومجمع أورانج.
27 56القديس بولس، الرسالة إلى الرومانيين، 7، 19. يصف المقطع 7، 14-25 انقسام الإنسان الداخلي المجروح بالشهوة.
29القديس توما الأكويني، شرح الرسالة إلى الرومانيين، الفصل 7 (éd. Marietti). وقد علّق عليه أوغسطينوس طوال جدله ضدّ البيلاجيين، ولا سيّما في Contra Julianum وDe peccatorum meritis.
30القديس أوغسطينوس، الاعترافات، الكتاب VIII، 5، 10 (اللاتينية: « confligebant inter se atque discordando dissipabant animam meam »؛ الترجمة الإنجليزية NPNF: « my two wills, one old and the other new, one carnal, the other spiritual, contend within me; and by their discord they unstrung my soul »). فالفرنسية أعلاه إعادة صياغة.
31القديس أوغسطينوس، الاعترافات، X، 27، 38، « Sero te amavi, pulchritudo tam antiqua et tam nova, sero te amavi ! ».
33L. Piccarreta، كتاب السماء، المجلد 13، 25 أغسطس 1921، مدخل «أهمية الفعل في المشيئة الإلهية… قيمة كلّ معرفة جديدة» (Éditions Centro Studi Piccarreta / الطبعة الفرنسية Résiac؛ الطبعة الفرنسية Lumen Luminis، المجلد 13، ص. 21-22).
34L. Piccarreta، كتاب السماء، المجلد 18، 25 ديسمبر 1925، مدخل «الاستعدادات المطلوبة لنيل عطية المشيئة الإلهية» (الطبعة الفرنسية Lumen Luminis، المجلد 18، ص. 60-62).
35إنجيل القديس يوحنا، 17، 3، صلاة المسيح الكهنوتية قبل الآلام.
36التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 1028، حول الرؤية المغبوطة: «بسبب سموّه، لا يمكن أن يُرى الله كما هو إلّا حين يفتح هو نفسه سرّه لتأمّل الإنسان المباشر ويعطيه القدرة على ذلك.» (vatican.va).
37القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 3، a. 4 (هل الغبطة، بوصفها فعلًا للجزء العقلي، هي فعل للعقل أم للإرادة).
38القديس بولس، الرسالة الأولى إلى القورنثيين، 13، 12 (الترجمة الليتورجية AELF).
39القديس بولس، الرسالة إلى القولوسيين، 1، 9 (الترجمة الليتورجية AELF).
40القديس إيرونيموس، شرح إشعيا، المقدّمة، PL 24، 17. استعاده المجمع الفاتيكاني الثاني: «جهل الكتب المقدسة هو جهل المسيح» (Dei Verbum § 25).
41المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي Dei Verbum، § 25، 18 نوفمبر 1965.
42النبي هوشع، 4، 6. ترجمة Crampon للكتاب المقدس؛ تقرأ الترجمة الليتورجية AELF «شعبي، من نقص المعرفة، سيُسكَت هو أيضًا» (راجع aelf.org). والمعنى العبري واحد: فمعرفة الله مفقودة، فيُخرَّب الشعب.
43سفر الأمثال، 1، 7 (الترجمة الليتورجية AELF).
44سفر الحكمة، 15، 3 (الترجمة الليتورجية AELF).
45موجز التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية (2005)، رقم 27: «هذا يعني الانضمام إلى الله نفسه، بالثقة به وإعطاء الموافقة على كلّ الحقائق التي كشفها، لأنّ الله هو الحقيقة.» (vatican.va).
46إنجيل القديس لوقا، 12، 47-48.
47القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، Ia-IIae، q. 76، De ignorantia. يميّز توما الجهل vincibilis (الذي كان يمكن تجاوزه) والجهل invincibilis، اللذين تختلف مسؤولياتهما الأخلاقية اختلافًا جذريًّا.
48بليز باسكال، الأفكار، القطعة Lafuma 110 (Brunschvicg 282؛ Sellier 142)، حزمة Grandeur: «نعرف الحقيقة لا بالعقل فحسب، بل بالقلب أيضًا...» (طبعة Brunschvicg؛ توافق Lafuma).
49القديس أوغسطينوس، الاعترافات، X، 26، 37 (الفصل XXVI، § 37): «أين وجدتك إذن لأتعلّمك؟ لم تكن في ذاكرتي قبل أن أعرفك.» (اللاتينية: « Ubi te inveni ut discerem te ? [...] nisi in te supra me ? »).
51القديس أوغسطينوس، De Trinitate، XV، 17، 29: الروح القدس ينبثق أيضًا من الابن (عقيدة الـFilioque).
52القديس بولس، الرسالة إلى الرومانيين، 8، 26 (الترجمة الليتورجية AELF).
53مجمع أورانج الثاني (529)، القانون 3، في Denzinger-Hünermann، رموز العقيدة الكاثوليكية وتعريفاتها، Cerf، رقم 373.
54مجمع ترنت، الجلسة VI (1547)، مرسوم التبرير، القانون 3، في Denzinger-Hünermann رقم 1553.
55القديس يعقوب، الرسالة، 2، 19 (الترجمة الليتورجية AELF).
57القديس بولس، الرسالة إلى الغلاطيين، 1، 13-14؛ الرسالة إلى الفيليبيين، 3، 6: كان بولس يضطهد الكنيسة قبل اهتدائه.
58القديس بولس، الرسالة إلى الرومانيين، 10، 1-2: «أيّها الإخوة، أمنية قلبي وصلاتي إلى الله من أجلهم هي أن ينالوا الخلاص. فأشهد لهم أنّ لهم غيرة لله، لكنّها غيرة لا تنيرها المعرفة الكاملة.» (الترجمة الليتورجية AELF).
59التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 166: «الإيمان عمل شخصي: جواب الإنسان الحرّ على مبادرة الله الذي يكشف ذاته.» (vatican.va).
60إنجيل القديس لوقا، 1، 34 (الترجمة الليتورجية AELF). الفولغاتة: « Quomodo fiet istud, quoniam virum non cognosco ? »
61إنجيل القديس لوقا، 1، 38. « Ecce ancilla Domini ; fiat mihi secundum verbum tuum. »
62القديس أوغسطينوس، Sermo 215، 4 (In redditione symboli): « … Christum prius mente quam ventre concipiens » (PL 38، 1074)، فمريم، الممتلئة إيمانًا عند كلمة الملاك، تحبل بالمسيح في ذهنها أوّلًا قبل أن تحبل به في أحشائها. حول إيمان مريم السابق لأمومتها الجسدية، انظر أيضًا De sancta virginitate، 3، المذكور في التعليم المسيحي § 506.
63التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، § 148: «العذراء مريم تحقّق بأكمل صورة طاعة الإيمان.» (vatican.va).
64المزمور 119 (118 في الترقيم الليتورجي)، 105: «كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي.» (الترجمة الليتورجية AELF).
65القديس يوحنا بولس الثاني، الدستور الرسولي Fidei Depositum، § 4، 11 أكتوبر 1992، حول إصدار التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. النصّ الكامل على vatican.va.
66التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، §§ 1074-1075، الليتورجيا، مصدر الحياة.
67إنجيل القديس يوحنا، 6، 35.
68الأخ لوران القيامة (1614-1691)، اختبار حضور الله، نصّ أعدّه S.-M. Bouchereaux، قدّمه الأب François de Sainte-Marie، Seuil، 1948. مجموعة أحاديث الكرملي الحافي ورسائله، من كلاسيكيات روحانية الحضور أمام الله في بساطة الحياة اليومية.
69القديس إغناطيوس دي لويولا، الرياضات الروحية، «قواعد تمييز الأرواح».
70